هل لاحظت يومًا أن ساعة تقضيها مع أصدقائك تمر وكأنها عشر دقائق، بينما عشر دقائق من الانتظار قد تبدو أطول من ساعة؟ الوقت نفسه ما تغير، فالساعة تظل ستين دقيقة سواء كنت مستمتعًا أو تنتظر، لكن اللي يتغير هو الإحساس بمرور الوقت. هذه الظاهرة من الأشياء المثيرة في حياتنا اليومية، لأن الإنسان ما يتعامل مع الوقت كأرقام على الساعة فقط، بل يتأثر شعوره به بما يفعله ومدى انتباهه ومشاعره وكمية الأشياء الجديدة اللي تحدث حوله. عندما تكون مشغولًا في نشاط تحبه، ينصرف انتباهك إلى النشاط نفسه بدل مراقبة الساعة، ولذلك قد تتفاجأ عندما تعرف كم مر من الوقت. أما عندما تنتظر شيئًا وأنت ما عندك نشاط يشغلك، يصبح انتباهك موجهًا إلى الدقائق نفسها، فتبدأ في ملاحظة كل لحظة. ولهذا قد تبدو رحلة ممتعة قصيرة رغم أنها استمرت ساعات، بينما تبدو دقائق الانتظار أمام موعد مهم طويلة جدًا. والأكثر إثارة أن إحساسنا بالوقت أثناء حدوث التجربة قد يختلف عن الطريقة اللي نتذكر بها التجربة بعد انتهائها، فاليوم المليء بأشياء جديدة قد يمر بسرعة أثناء عيشه لكنه يبدو طويلًا وغنيًا عندما تتذكره لاحقًا بسبب كمية الأحداث الموجودة في الذاكرة

لماذا تمر الأيام المتشابهة بسرعة في الذاكرة؟

الروتين مفيد جدًا لتنظيم الحياة، لأن الإنسان ما يستطيع اتخاذ قرار جديد لكل شيء يفعله يوميًا، لكن تكرار الأيام بطريقة متشابهة قد يجعل الأسابيع تبدو وكأنها تمر بسرعة عندما ننظر إليها بعد انتهائها. تخيل أسبوعًا تستيقظ فيه في الموعد نفسه وتذهب إلى المكان نفسه وتقوم بالمهام نفسها وتعود إلى المنزل وتشاهد المحتوى نفسه تقريبًا، قد يكون الأسبوع طويلًا أثناء عيشه، لكن عندما تحاول تذكر تفاصيله بعد شهر لن تجد عددًا كبيرًا من الأحداث المميزة اللي تفصل يومًا عن الآخر. في المقابل، إذا قضيت أسبوعًا في رحلة جديدة وزرت أماكن مختلفة وجربت أطعمة وأنشطة لأول مرة، ستجد عددًا أكبر من الذكريات المرتبطة بتلك الأيام. ولهذا تبدو بعض مراحل الطفولة طويلة جدًا في الذاكرة، لأن الطفل يمر باستمرار بتجارب جديدة، أول يوم مدرسة وأول رحلة وأول مرة يجرب نشاطًا معينًا وأماكن وأشخاص جدد، بينما تقل نسبة التجارب الجديدة مع تقدم العمر عندما تستقر كثير من تفاصيل الحياة. وهذا ما يفسر جزئيًا لماذا يقول بعض الأشخاص إن السنوات أصبحت تمر بسرعة أكبر كلما تقدموا في العمر، فالمشكلة ليست أن السنة أصبحت أقصر، وإنما أن كمية العلامات والأحداث المختلفة اللي تحفظها الذاكرة قد تقل عندما تصبح الأيام أكثر تشابهًا. لهذا يمكن أن يساعد إدخال أشياء جديدة بسيطة إلى الروتين على جعل الحياة أكثر ثراءً في الذاكرة، مثل تعلم مهارة أو زيارة مكان جديد أو تغيير نشاط نهاية الأسبوع أو قراءة نوع مختلف من الكتب، وما يحتاج الأمر إلى سفر مستمر أو تغييرات كبيرة

الانتظار والملل والانشغال وتأثيرها على إحساسنا بالدقائق

الانتظار من أكثر المواقف اللي تجعل الوقت يبدو بطيئًا، خصوصًا إذا كان الشخص ينتظر نتيجة مهمة أو موعدًا أو وصول شخص أو انتهاء شيء ما. عندما ما يكون أمامك نشاط يشغل انتباهك، تبدأ بمراقبة الوقت، وكلما راقبت الساعة أصبحت أكثر وعيًا بالدقائق. لهذا قد تبدو عشر دقائق في طابور أطول من عشر دقائق تقضيها في مشاهدة فيديو ممتع. ومن هنا تحاول بعض الأماكن جعل فترات الانتظار أقل إزعاجًا من خلال توفير معلومات أو أشياء تشغل الانتباه، لأن المشكلة ما تكون دائمًا في طول المدة نفسها بل في تجربة الانتظار. إذا أخبرك شخص أن طلبك سيحتاج إلى عشرين دقيقة وكان التوقيت واضحًا، قد يكون الانتظار أسهل من عدم معرفة هل سيستغرق خمس دقائق أو ساعة. عدم اليقين يجعل الإنسان يعود باستمرار لمراقبة الوقت. وفي المقابل، عندما تكون في حالة تركيز قوي على مهمة أو هواية، قد تقل ملاحظتك للوقت بشكل كبير. الأشخاص اللي يحبون الرسم أو الألعاب أو القراءة أو البرمجة أو الطبخ قد يمرون بهذه التجربة عندما يندمجون في النشاط وينسون النظر إلى الساعة. لكن هذا له جانب عملي مهم، لأن الانشغال ما يعني دائمًا أن الوقت يُستخدم بطريقة جيدة. يمكن للشخص أن يقضي ساعتين في تصفح مقاطع قصيرة ويشعر أنها مرت في دقائق، ثم يكتشف بعد التوقف أنه لم يكن ينوي قضاء كل هذا الوقت. لذلك من المفيد استخدام منبه أو وقت محدد لبعض الأنشطة اللي يسهل الاندماج فيها إذا كان لديك التزامات أخرى

لماذا نتذكر بعض اللحظات بالتفصيل وننسى أيامًا كاملة؟

الذاكرة البشرية ما تعمل مثل كاميرا تسجل كل ثانية من حياتنا، بل يحتفظ الدماغ ببعض المعلومات ويتجاهل تفاصيل كثيرة. الأشياء غير المعتادة أو المهمة أو المرتبطة بمشاعر قوية تكون أكثر قابلية للبقاء في الذاكرة مقارنة بالأحداث اليومية المتكررة. قد تتذكر بالتفصيل أول يوم لك في مكان جديد قبل سنوات، لكنك ما تستطيع تذكر ماذا تناولت في الغداء يوم الثلاثاء قبل ثلاثة أسابيع. السبب بسيط، فتفاصيل ذلك الغداء غالبًا ما كانت مهمة بما يكفي ليتم الاحتفاظ بها لفترة طويلة. ولهذا تلعب الصور والروائح والأصوات دورًا مثيرًا في استعادة الذكريات، فقد تسمع أغنية قديمة وفجأة تتذكر مكانًا أو أشخاصًا أو مرحلة كاملة من حياتك، أو تشم رائحة طعام فتتذكر بيت العائلة أو مناسبة قديمة. كما أن الذكريات نفسها ما تكون دائمًا نسخة دقيقة تمامًا من الحدث، لأن الإنسان يعيد بناء أجزاء من التجربة عندما يتذكرها، وقد تتأثر الذاكرة بالمعلومات اللي عرفها لاحقًا أو بتكرار سماع القصة. لذلك الثقة الكبيرة في ذكرى معينة ما تعني بالضرورة أن كل تفاصيلها دقيقة. هذه نقطة مهمة خصوصًا عندما يختلف شخصان على تفاصيل موقف قديم، فقد يكون كل واحد منهما يتذكر الحدث بصورة مختلفة فعلًا بدل أن يكون أحدهما يتعمد تغيير الحقيقة

لماذا يبدو الوقت أسرع عندما نكون سعداء؟

عندما يكون الشخص مستمتعًا بنشاط ما، يكون انتباهه غالبًا موجهًا إلى التجربة بدل مرور الدقائق، ولذلك يشعر بعد انتهائها أنها مرت بسرعة. لكن الأمر المثير هو أن التجارب الممتعة والغنية بالأحداث قد تبدو طويلة عندما نتذكرها لاحقًا. يوم كامل في رحلة قد يمر بسرعة وأنت تستمتع، لكن عند العودة إلى المنزل تشعر أنك فعلت أشياء كثيرة جدًا خلال ذلك اليوم. على العكس، قد يكون يوم ممل في المنزل بطيئًا أثناء حدوثه، لكن بعد أسبوع يصبح من الصعب تذكر تفاصيله لأنه ما احتوى على أحداث كثيرة. وهذا يوضح الفرق بين "الوقت أثناء التجربة" و"الوقت في الذاكرة". كما تؤثر المشاعر الأخرى على تقدير الوقت، فالقلق مثلًا قد يجعل الشخص أكثر انتباهًا للانتظار ولما يحدث حوله، ولذلك يمكن أن يشعر بأن بعض الفترات أطول. لهذا عندما ينتظر الشخص خبرًا مهمًا قد يجد صعوبة في التركيز في أي شيء آخر، وكل عدة دقائق يعود للنظر إلى الهاتف. في هذه الحالة يمكن أن يساعد الانشغال بنشاط عملي بدل مراقبة الوقت باستمرار، لأن النظر إلى الساعة ما يجعل النتيجة تصل أسرع

هل يمكن أن نجعل حياتنا تبدو أطول بدون تغيير عدد الساعات؟

ما نقدر نزيد عدد ساعات اليوم، لكن يمكننا تغيير كمية التجارب اللي نضعها داخل الأيام. المقصود مو أن يكون كل يوم مزدحمًا بعشرات الأنشطة، لأن ذلك قد يؤدي إلى الإرهاق، وإنما كسر التكرار من وقت لآخر. يمكن تجربة طريق مختلف للمشي أو زيارة حي ما سبق لك استكشافه أو تعلم وصفة جديدة أو مقابلة شخص ما شفته من فترة أو قراءة موضوع بعيد عن اهتماماتك المعتادة. التفاصيل الجديدة تعطي الذاكرة نقاطًا أكثر تميزًا، ولذلك يمكن أن تبدو الفترة أغنى عند الرجوع إليها. كما يساعد توثيق بعض اللحظات بالصور أو الكتابة، لكن من المهم ألا يتحول التوثيق إلى بديل عن عيش التجربة نفسها. أحيانًا يقضي الشخص المناسبة كاملة في محاولة تصوير كل لحظة ثم يكتشف أنه ما عاشها فعليًا. يكفي الاحتفاظ بعدد محدود من الصور أو كتابة سطرين في نهاية اليوم عن الشيء المختلف اللي حدث. وبعد شهور ستجد أن هذه الملاحظات تساعدك على تذكر تفاصيل كنت ستنساها تمامًا. ويمكن كذلك تقسيم السنة إلى تجارب صغيرة بدل انتظار المناسبات الكبيرة، لأن الذكريات ما تحتاج دائمًا إلى سفر أو تكلفة مرتفعة، وأحيانًا يكون تغيير بسيط في يوم عادي كافيًا لجعله مختلفًا عن الأيام المحيطة به

CTA

إذا كنت تحب المعلومات العامة والموضوعات اللي تشرح الأشياء الغريبة اللي نلاحظها في حياتنا اليومية، تابع المزيد من المقالات المتنوعة عن الإنسان والطبيعة والعادات والعلوم والحياة اليومية، واكتشف السبب وراء تفاصيل نعيشها كل يوم بدون ما نفكر فيها

الأسئلة الشائعة

لماذا يمر الوقت بسرعة عندما نكون مستمتعين؟

لأن انتباهنا يكون موجهًا إلى النشاط أو التجربة بدل مراقبة مرور الدقائق، ولذلك قد نتفاجأ بالوقت بعد انتهاء النشاط

لماذا يبدو الانتظار طويلًا؟

لأن الشخص يكون أكثر انتباهًا للوقت، خصوصًا عندما ما يكون لديه نشاط يشغله أو عندما لا يعرف متى سينتهي الانتظار

لماذا تبدو السنوات أسرع مع التقدم في العمر؟

هناك عوامل متعددة يمكن أن تؤثر على هذا الشعور، ومن بينها زيادة الروتين وقلة التجارب الجديدة مقارنة بمراحل سابقة من الحياة

لماذا نتذكر الرحلات أكثر من الأيام العادية؟

لأن الرحلات عادة تحتوي على أماكن وتجارب وأشخاص ومعلومات جديدة، وهذا يعطي الذاكرة عددًا أكبر من الأحداث المميزة

هل الذاكرة تسجل كل شيء نراه؟

لا، الذاكرة البشرية انتقائية ولا تحتفظ بكل تفاصيل الحياة اليومية، كما أن الذكريات قد تتغير عند استرجاعها

لماذا تذكرنا بعض الروائح بالماضي؟

يمكن للروائح أن ترتبط بذكريات وتجارب سابقة، ولذلك قد تؤدي رائحة معينة إلى استرجاع موقف أو مكان قديم بسرعة

كيف أجعل الأيام أقل تشابهًا؟

يمكن إدخال تجارب صغيرة جديدة مثل تعلم شيء مختلف أو زيارة مكان جديد أو تغيير بعض تفاصيل الروتين

هل النظر إلى الساعة يجعل الانتظار يبدو أطول؟

قد يزيد مراقبة الوقت المستمرة من الانتباه إلى مرور الدقائق، وبالتالي يمكن أن يشعر الشخص بأن فترة الانتظار أطول

خاتمة

الإحساس بمرور الوقت مثال جميل على أن الأشياء اللي نعيشها يوميًا أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه، فالساعة تتحرك بالمعدل نفسه، لكن تجربتنا للوقت تتغير حسب الانتباه والمشاعر والروتين وكمية الأحداث الجديدة الموجودة في يومنا

ولهذا قد تمر ساعتان ممتعتان بسرعة بينما تبدو دقائق الانتظار طويلة، وقد تمر سنة كاملة بسرعة ثم نجد أن أسبوعًا واحدًا من السفر يحتوي في ذاكرتنا على تفاصيل أكثر من شهور عادية

وإذا أردنا أن تبدو الحياة أكثر ثراءً عندما نتذكرها، فما نحتاج إلى ملء كل دقيقة بالنشاط، لكن يمكن أن يساعد كسر الروتين وتجربة أشياء جديدة والانتباه للحظات اليومية على صناعة ذكريات أكثر وضوحًا بدل أن تصبح الأيام المتشابهة كتلة واحدة يصعب تذكر تفاصيلها